قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم :
" من
كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل
رحمه ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت " صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم
الشرح : هذا الحديث في بيان أنواع خلال من الإيمان من حفظ الكلام والكرم والبذل والإحسان إلى الخلق. وفيه مسائل.لأولى: قوله صلى الله عليه وسلم (من كان يؤمن بالله واليوم والآخر) أسلوب مؤثر كان النبي صلى الله وسلم يستعمله في موعظته وترغيب أصحابه بالأعمال الصالحة والمعنى من كان مؤمنا بالله واليوم الآخر حقا وكمالا فليفعل كذا وكذا من كان مصدقا بوعد الله محتسبا للأجر مستشعرا للوقوف بين يدي الله يوم القيامة فليمتثل هذه الأعمال الجليلة والخصال الحسنة. وفيه دليل على أن هذه الأعمال التي ذكرها الرسول صلى الله عليه وسلم من خصال الإيمان منها ما يتعلق بحقوق الله كقول الخير ومنها ما يتعلق بحقوق العباد كإكرام الضيف وإكرام الجار.
الثانية: في الحديث دليل على أن حفظ اللسان من السيئات واستقامته على الخير علامة على استقامة إيمان العبد كما روي في المسند من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه). وقد ورد في الشرع التخريف والزجر من إطلاق الكلام على عواهنه وعدم التحرز من القول ففي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الرجل ليتكلم بالكلمة ما يتبن فيها يزل بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب) وعند أحمد (إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يرى بها بأسا يهوي بها سبعين خريفا في النار). فإذا كان هذا الوعيد فيمن تكلم بغير بصيرة فكيف من تعمد الإثم في قوله والسوء في كلامه فأمره أعظم. وقال تعالى: (إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ). والمتلقيان ملكان موكلان بالعبد ملك عن يمينه يكتب الحسنات وملك عن شماله يكتب السيئات. وقد كان بعض السلف يتورعون عن التأوه والأنين حال المرض خشية أن يكتب.
الثالثة: قوله (فليقل خيرا أو ليصمت) فيه إرشاد للعبد بأن يسلك أحد أمرين في الكلام فإن كان الكلام خيرا تكلم به وإن لم يكن خيرا أمسك عنه إلا ما دعت الحاجة إليه.قال ابن مسعود: (إياكم وفضول الكلام حسب امرئ ما بلغ حاجته). وقال النخعي: (يهلك الناس في فضول المال والكلام). وقال عمر: (من كثر كلامه كثر سقطه ومن كثر سقطه كثرت ذنوبه ومن كثرت ذنوبه كانت النار أولى به).قال أحد العلماء عند عمر بن عبد العزيز: الصامت على علم كالمتكلم على علم فقال عمر: (إني لأرجو أن يكون المتكلم على علم أفضلهما يوم القيامة حالا وذلك أن منفعته للناس وهذا صمته لنفسه). فقال له يا أمير المؤمنين فكيف بفتنة المنطق فبكى عمر عند ذلك بكاء شديدا.قد أخرج الإمام أحمد من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من قوم يقومون من مجلس لا يذكرون الله فيه إلا قاموا عن مثل جيفة حمار وكان لهم حسرة). وروى النسائي من حديث أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من قوم يجلسون مجلسا لا يذكرون الله فيه إلا كانت عليهم حسرة يوم القيامة وإن دخلوا الجنة). وقال مجاهد: (ما جلس قوم مجلسا فتفرقوا قبل أن يذكروا الله إلا تفرقوا من أنتن من ريح الجيفة وكان مجلسهم يشهد عليهم بغفلتهم وما جلس قوم مجلسا فذكروا الله قبل أن يتفرقوا إلا تفرقوا عن أطيب من ريح المسك وكان مجلسهم يشهد لهم بذكرهم). وقال بعض السلف: (يعرض على ابن آدم يوم القيامة ساعات عمره فكل ساعة لم يذكر الله فيها تتقطع نفسه عليها حسرات).كما أخرج أبوداود في سننه من حديث علي مرفوعا: (لا صمات يوم إلى الليل). وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه لإمرأة حجت مصمتة: (إن هذا لا يحل هذا من عمل الجاهلية). وروي عن علي بن الحسين أنه قال: (صوم الصمت حرام). قد روى الشيخان عن عائشة وابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه). وكل معروف من القول والفعل داخل في الإحسان وله صور كثيرة: من ذلك السؤال عن حاله وزيارته وتفقد أحواله ومواساته عند فقره وعيادته في مرضه وتشييع جنازته وإجابة دعوته ونصيحته وإعانته على قضاء حاجته ومشاركته في أفراحه وأحزانه. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يشبع المؤمن دون جاره) رواه أحمد. وفي صحيح مسلم عن أبي ذر قال: (أوصاني خليلي إذا طبخت مرقا فأكثر ماءه ثم انظر إلى أهل بيت جيرانك فأصبهم منها بمعروف). وفي المسند عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه ذبح شاة فقال هل أهديتم منها لجارنا اليهودي ثلاث مرات ثم قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه).(الجيران ثلاثة جار له حق واحد وهو أدنى الجيران حقا وجار له حقان وجار له ثلاثة حقوق وهو أفضل الجيران حقا. فأما الذي له حق واحد فجار مشرك لا رحم له حق الجوار وأما الجار الذي له حقان فجار مسلم له حق الإسلام وحق الجوار وأما الذي له ثلاثة حقوق فجار مسلم ذو رحم له حق الإسلام وحق الجوار وحق الرحم). وقد حد بعض العلماء الجوار الذي يتعلق به الإحسان فقالت طائفة من السلف حد الجوار أربعون دارا. وروي في السنة تعيينه بذلك ولا يصح ففي مراسيل الزهري أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم يشكو جارا له فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه أن ينادي: (ألا إن أربعين دار جار). وقد فسره الزهري بأربعين بيتا من كل جانب. والصحيح أنه لا تحديد في الجوار لأنه لم يرد في السنة حديث صحيح يعين ذلك بل هو عاموقد نهى الشرع عن ذلك. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه) رواه البخاري. وفي صحيح مسلم: (لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه). والمسلم منهي عن إيذاء أخيه المسلم في جميع الأحوال ولكن يتأكد النهي ويعظم الجرم في إيذاء الجار لعظم حقه كما روى ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم (أنه سئل أي الذنب أعظم قال أن تجعل لله ندا وهو خلقك قيل ثم أي قال أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك قبل ثم أي قال أن تزني حليلة جارك) متفق عليه. وإيذاء الجار سبب موجب لدخول النار فقد روي في مسند أحمد من حديث أبي هريرة قال قيل يا رسول الله: إن فلانة تصلي الليل وتصوم النهار وفي لسانها شيء تؤذي جيرانها سليطة. قال: (لا خير فيها هي في النار).وفيه الأمر بإكرام الضيف . قال ابن عبد البر: (أجمع العلماء على مدح مكرم الضيف والثناء عليه بذلك وحمده وأن الضيافة من سنن المرسلين وأن إبراهيم أول من ضيف الضيف). وقد تظافرت النصوص على ذلك ففي الصحيحين عن أبي شريح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته قالوا وما جائزته قال يوم وليلة قال والضيافة ثلاثة أيام وما كان بعد ذلك فهو صدقة). وخرج أحمد من حديث أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه قالها ثلاثا قالوا وما كرامة الضيف يا رسول الله قال ثلاثة أيام فما جلس بعد ذلك فهو صدقة). فقد دلت النصوص على وجوب الضيافة يوم وليلة واليوم الثاني والثالث سنة نافلة حق مشروع للضيف وما زاد على الثلاثة أيام فصدقة من الصدقات. والصحيح أن الضيافة واجبة للمسلم أما الكافر فلا تجب لأن هذا من حق المسلم على أخيه كالنصيحة والسلام وإجابة الدعوة. وإذا نزل الضيف على قوم ولم يكرموه جاز له المطالبة بحقه وإن استطاع أن يأخذ حقه من غير مفسدة أبيح له ذلك. وفي الصحيحين عن عقبة بن عامر قال قلنا يا رسول الله إنك تبعثنا فننزل بقوم فما ترى فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن نزلتم بقوم فأمروا لكم بما ينبغي للضيف فاقبلوا فإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغي لهم). واختلف الفقهاء هل الضيافة واجبة على أهل البادية والحاضرة أم خاصة على أهل البادية. وقال مالك: ليس على أهل الحضر ضيافة. وقال سحنون إنما الضيافة على أهل البادية وأما أهل الحضر فالفندق ينزل فيه المسافر.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق