أيها الإخوة.. إنه سؤال من قلوب مكلومة، تريد أن تعرف الحقيقة: هل ضاعت القدس? تعالوا لنستقرئ التاريخ، ولنرصد الواقع، لنضع حلاً لهذه المشكلة، ولنجىب عن هذا التساؤل بصراحة، ووضوح ودون مواربة، إجابة مجملة، بادئ ذي بدء، وجملة الأمر أن استدعاء حقائق التاريخ القريب تبين لنا بوضوح أن هناك جرىمة كاملة، اقترفت بإبعاد الإسلام عن المعركة، إننا ما زلنا مصرين، أن تصدق فىنا كلمة الهالك "دايان" وزىر دفاعهم حين قال: "إن العرب لا يقرءون، وإذا قرءوا لا يفهمون، وإذا فهموا لا يعملون"، وأصدق ما نقول فـي هذا قول نبينا (صلى الله عليه وسلم) "صدقك وهو كذوب" (أخرجه البخاري)، نعم لا نستطيع أن نعقب على مقالته إلا بهذا، إن العرب بغير الإسلام لا شيء، فالإسلام وحده هو الذي يربيهم، ويزكيهم ويهديهم ويزرع فيهم العزة والمسؤولية، وصدق عمر حين مضى يفتح بيت المقدس، فقال: كنا أذل قوم فأعزنا الله بالإسلام، فمهما ابتغينا العزة فـي غيره أذلنا الله.
أيها الأحبة: لقد ابتغى العرب فـي عصورهم المتأخرة العزة بغير هذا الدين، ابتغوها فـي القوميات، والوطنيات، والانتماءات البائدة والفاسدة، فماذا كانت النتيجة? الذل، لا توجد كلمة أبلغ من هذه الكلمة، الذل، فمهما ابتغينا العزة فـي غير الإسلام أذلنا الله، ومن ذا الذي يعز من أذل الله? {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (آل عمران:26)، اللهم أعز أمة الإسلام.
أيها الإخوة: القدس التي بشروننا بضياعها، ويروضون المشاعر والأسماع على نغمة الياس من رجوعها، هذه المدينة المقدسة اختزلت تاريخا من الذل للعرب، فـي ظل الرايات غير الإسلامية، حقًا أقول: إذا كانت قضية فلسطين هي القضية المحورىة والمركزىة للعرب والمسلمين فـي العصر الحاضر، فإن قضية القدس هي محور هذه القضية ومركزها، فالقدس مركز المركز ومحور المحور، ولم? ما هذا إلا لأن تلك المدينة هي ثالث أقدس أرض بعد الحرمين الشريفىن، لماذا? لقد استمدت قداستها من وجود أرض المسجد الأقصى فيها، ذلك المسجد الذي بارك الله حوله.
أيها الإخوة: إذا ابتغينا العز فلا سبيل إلا بالإسلام، تعالوا نسترجع ذاكرة التاريخ فـي أبرز محطات طريق التضىيع والذل، حين كان الأعداء دائمًا يمثلون الفعل، ونمثل نحن ردود الأفعال، نمثل نحن بعد فعل اليهود الأقوال العشوائىة، والارتجالىة، والخطب النارىة الحماسية، والمظاهرات، والجعجعة دون طائل، تعالوا لنقف مع محطات تضىيع القدس منذ نصف قرن.
على وجه التحديد فـي 29 من نوفمبر سنة 1947م، صدر قرار الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين، كان أساسه إنشاء دولتىن: دولة عربية، ودولة يهودية، ضمن حدود جغرافىة معينة، شمل القرار أحكامًا خاصة لمدينة القدس، حيث جعلت تحت نظام دولي لمدة عشر سنين، تسند إدارتها إلى مجلس وصآية من الأمم المتحدة ليس على رأسه يهودي ولا عربي، رفض العرب القرار، واكتفوا بالرفض، واستمر اليهود يعملون
فـي 15 مايو 1948م، استغل اليهود رفض المسلمين والعرب لقرار التقسيم، وأعلنوا من جانب واحد قيام الدولة اليهودية "إسرائيل" على القسم الذي خصصته لهم الأمم المتحدة، ودخلت الجيوش العربية حربًا هستىرىة لا يملكون فيها إلا الحماس، لم يستعدوا لها، وانتهت كما هو معلوم بهزيمة الجيوش العربية، واستمر اليهود يعملون والعرب يشجبون.
وفـي مطلع عام 1949م، تقدمت الدولة اليهودية بطلب عضوية الأمم المتحدة، ووُعدت بالقبول بشرط تنفيذ الشرط فـي مدينة القدس، وتعهدت إسرائيل بالفعل أن تترك القدس مدينة دولية، وفعلاً.
وفـي 4 مارس 1949م، صدر القرار بقبول إسرائيل عضوًا فـي الأمم المتحدة، ولم تلبث الدولة اليهودية التي تعمل فـي ظل صمت العرب أن أعلنت رفضها تدوىل القدس، وقسمت القدس إلى قسمين: قدس شرقية للعرب، وقدس غربية لليهود، ولم تكتف بهذا الرفض نظريا، بل سارعت عمليا إلى فرض واقع جديد، فنقلت مصالحها الرسمية إلى القدس الغربية، وهكذا ظل اليهود يعملون والعرب يتكلمون.
وفـي 23 يناىر 1950م، أعلنت "إسرائيل" القدس الغربية عاصمة لها.
وفـي 5 يونيو 1967م كانت المأساة حيث اجتاح الجيش الإسرائيلي فيما اجتاح الدول الثلاثة: مصر، وسوريا، والأردن، واجتاح الجزء الشرقي أيضًا من القدس، التي هي القدس العربية، ودخل الجيش اليهودي القدس العربية، واحتلها بجملة ما احتل، وظل المجتمع الدولي، ومنه العربي، ينظر إلى القدس الشرقية على أنها أرض عربية محتلة، واليهود ينظرون على أنها يهودية محرَّرة.
وفـي عام 1967م، نفسه استولى اليهود على أربعين بالمئة من الأراضي فـي القدس، وأقاموا عليها مستعمرات ومستوطنات يهودية.
وفـي عام 1979م عام الذل أعلن "مناحم بىجن" - رئىس وزراء إسرائيل - القدس الموحدة شرقية وغربية عاصمة أبدية لدولة إسرائيل، وصل عدد اليهود عامها 19 ألف يهودي.
وفـي عام 1990م، صادر اليهود عدة آلاف من الدونمات لتوسيع الإحياء القديمة لصالح اليهود، وبنوا فـي القدس مطارًا دوليا، وظل اليهود يعملون والعرب يتكلمون، ومازالوا يتكلمون.
وفـي آخر عام 1992م، وحسب إحصائية رسمية بلغ عدد سكان القدس 555 ألف نسمة، 155 ألفًا من العرب الفلسيطينيين، و400 ألف يهودي، صار الفلسطينيون بمقتضى هذا لا يحصلون إلا على 5% فقط بموازنة البلدية فـي القدس.
وفـي 13 من سبتمبر 1993م، اتفقت منظمة التحرير الفلسطينية مع "إسرائيل" فيما سمي بإعلان المبادئ على تأجيل بحث موضوع القدس إلى ما بعد عامىن، وفـي 26 من ديسمبر 1994م أقر الكنيست الإسرائيلي قانونًا بمنع السلطة الفلسطينية من مزاولة النشاط داخل القدس، ثم حين حان الموعد فـي مايو 1995م تنصلت "إسرائيل".
وفـي مايو 1995م أمرت السلطات الإسرائيلية بإخلاء عدد من المؤسسات الفلسطينية الموجودة فـي القدس، استولى اليهود على أربعة آلاف وأربع مئة دونم للاستىطان، وتولى نتنياهو بنفسه الإشراف على هذا الاستىطان، وذلك قبل أن يتولى الوزارة.
وفـي عام 1995م، صدرت أربعة قرارات مهمة من الكنيست الإسرائيلي لتهويد القدس:
- القرار الأول: تحويل إدارة البلدية من إدارة عربية فلسطينية إلى إدارة يهودية فـي القدس الشرقية.
- القرار الثاني: تحويل النظام القضائي من نظام شرعي إسلامي إلى نظام يهودي.
- القرار الثالث: تحويل اللوائح والقوانين والإجراءات إلى الطابع اليهودي.
- القرار الرابع: تغيير أسماء الشوارع والطرق والساحات العربية واستبدال أسماء صهيونية يهودية بها.
واستمر اليهود يعملون، والعرب ما زالوا يتفرجون، فقد سكتوا عن الكلام أيضا، فـي 1996م جاء موعد مبحث القدس فـي المفاوضات المؤجلة، وكانت إسرائيل تعمل قبلها على تغيير وضع القدس حتى قال أحد الإسرائيليين المسؤولين: "الآن يستحيل على عرفات أن يزعم أن القدس الشرقية عاصمته؛ لأن تقسيم المدينة من جديد صار أمرًا مستحيلاً" أخذ نتنياهو فـي خلال شهور قليلة 23 قرارًا بالاستيطان، ثم فـي العام الأنكد فـي 1997م بعد أن كاد ابتلاع القدس الشرقية يكتمل بدأت إسرائيل تستولي على مناطق جديدة، فاستولت على منطقة "أبو غنيم" وهي منطقة استراتيجيىة؛ لأنها تطل على الطريق الذي يربط القدس ببيت لحم، وبنوا فيها أكبر مستوطنة عدد من يسكنها 25 ألف يهودي. ............. بعد هذا السرد التاريخي الذي أردت من خلاله أن أرىكم، أيها المسلمون، أن اليهود يعملون وأنتم لا تدرون عن هذا شىئًا، هذا النوم والتكاسل والتقاعس، هذا التخذىل، والإسكات، والتصميت كان من جرائه ونتىجته أن سهل على المسلمين أن يعتقدوا أن القدس ضاعت، ضاعت بلا رجعة، أنا أقول ولست لأني أقول ذلك، ولكن لأن ديننا علمنا ذلك.
إنها لم ولن تضيع، ورغم كل مظاهر القتامة والعتامة التي توحي بها مشاهد الحاضر المهزوم، والمستقبل الغامض المأزوم، رغم تكدس معالم الفشل العربي سياسيا، وعسكريًا، وعقائديا، وقانونيا، واقتصاديا، رغم كل هذا، فإننا نرى من وراء ذلك فتحًا قريبا، اللهم عجّل بنصرك يا رب، نرى وراء آلام المخاض صرخات الوليد، الوليد الجديد، موسى الذي يربي فـي حجر فرعون، نعم إني أقولها وبملء فـيَّ كلمة ألححت بها على آذانكم أن أقصى نقطة استضعاف هي أول نقطة تمكىن بشرط أن تكون الفئة المستضعفة فـي أعلى نقطة إخلاص.. اللهم ارزقنا الإخلاص يا رب.
ليس الأمر كلامًا، إننا نرى - إن شاء الله - فتحًا قريبا توهجت أنواره لتكشف عن رايات أمل تخفق فـي سماء مدينة الأنبياء (عليهم الصلاة والسلام) ليس هذا تحدثًا من منطق سياسة قاصرة، ولا من منطق خرافة فارغة، ولا هو بالأمل البعيد، ولكن هو معطيات الواقع المرىر، باستقراء كتاب ربنا، كتاب ربنا يغرس فىنا أهل الإسلام حقائق الوحي، إنني أقول ما أقول من هدايات النبوة الخاتمة، نعم لن تضيع القدس.
أولاً: مما تعلمناه من كتاب ربنا أن قوم موسى حينما كانت تُستحىى نساؤهم وتذبح أطفالهم وفرعون يقول: {وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ} (الأعراف:127)، نزل قول الله: {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنرى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ} (القصص5، 6).
نعم، هكذا يحدثنا كتاب ربنا حين كان قوم لوط يستعدون لإخراج لوط نزلت ملائكة الرحمن لتبشره بالفتح فـي آخر سورة يوسف قال ربنا: {حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ..} (يوسف:110).
وهكذا، لن تضيع القدس، لماذا? لأن الله الذي كرمها بسكن الأنبياء لن يديمها سكنًا لقتلة الأنبياء (عليه السلام)، الأرض التي كان لها شأن وقداسة من قديم الزمان، سيظل لها الشأن والقداسة فـي الزمان الآخر، ذلك؛ لأن قدسية المكان لا تؤثر فيها صروف الزمان، ثم من كلام نبينا (صلى الله عليه وسلم) الذي أعلمنا أن هذه الأرض من بيت المقدس وبلاد الشام ستكون موئلاً لأهل الإيمان حين تقارب الزمان، الحديث فـي المسند وصححه الشيخ أحمد شاكر (رحمه الله) ورقمه (6871) قال (صلى الله عليه وسلم): "بينما أنا نائم إذ رأيت عمود الكتاب احتُمل من تحت رأسي، فظننت أنه مذهوب به، فأتبعته بصري، فعُمد به إلى الشام، ألا وإن الإيمان حين تقع الفتنة بالشام".
وهناك ما هو أصرح من هذا، يشير لنا فـي أي بقاع الشام سيكون هذا الصراع، الحديث الذي يرويه أبي يعلى، فـي مجمع الزوائد الجزء 10/6463، قال الهىثمي رجاله ثقات، يقول (صلى الله عليه وسلم): "لا تزال عصابة من أمتى يقاتلون على أبواب دمشق وما حولها، وعلى أبواب بيت المقدس وما حوله لا يضرهم من خذلهم ظاهرىن على الحق إلى أن تقوم الساعة" اللهم اجعلنا منهم يا رب.
إخوتاه: هذه هي المبشرات، لا.. لن تضيع القدس، كتاب ربنا، وسنة نبينا، وتاريخنا الطويل، وأيضًا الواقع وتأمله، كلها شواهد على أن القدس لن تضيع، بإذن الله.
والحمد لله رب العالمين.
|
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق